فخر الدين الرازي
562
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : قال القاضي قوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ على ما تقدم تفسيره ، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق اللّه تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم ، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك ، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو إعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته ، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك ، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة . المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي : تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل ، لأن قوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 76 إلى 77 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى اللّه عليه وسلم والمروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا ، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به ، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف / بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فلا حجة أقوى من ذلك ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، قال القفال : قوله : فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه . أما قوله : عِنْدَ رَبِّكُمْ ففيه وجوه . أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند اللّه ، ألا تراك تقول هو في كتاب اللّه هكذا وهو عند اللّه هكذا بمعنى واحد . وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم اللّه تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه . وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة . ورابعها : قال القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة ، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة اللّه عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم